الشيخ محمد الصادقي

126

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وهكذا ينتهي دور السجن لمن كرّمه اللّه واصطفاه ، بريئا عن تهمة الخيانة ، جريئا على الخونة ، مما يدفع الملك أن يطلبه إليه مرة ثانية : وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) . وهكذا يتجلى الإنسان في أكمله وأنقصه في قصص القرآن التي لا تقص لمجرد قصّ التاريخ وأداء الفن القصصي ، بل « لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ » فإنما تساق لتعالج قصة العقيدة والداعية عبرة وعظة ، في واقعة تتناسق فيها جميع المؤثرات والمؤشرات والواقعيات في نفوس بني الإنسان . هنا يصدر الأمر الملكي مرة ثانية « ائْتُونِي بِهِ » ولكنه في هذه المرة يستخلصه لنفسه حيث يرى إخلاصه في علمه ودرايته وأمانته : « أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي » فلو استجابه في الأولى لم يستخلصه إذ لم يعرفه بذلك الإخلاص والأمانة والرزانة ، واستخلاص الملك هو الصدارة الثانية بعده كرئاسة الوزراء امّا ذا من القمة الثانية . إنه في هذه المرة خلاف الأولى لا يطلبه ليرى مأول الرؤيا ، أو ليسمعه كلمة الرضا لصاحب السموّ الملكي ، وليعفو عنه ويطلق سراحه ، وإنما ليستخلصه لنفسه معتذرا إليه عما كان عليه ، ومفوضا إليه ما سيكون . . . هنا الملك يطلب إلى من لا يتهافت على خروجه من السجن ، ولا يتفاوت عنده السجن وخارج السجن ، إلّا أن يخرج قبل خروجه عن تهمة الخيانة ، وإلّا فالسجن أحب اليه من عفوه دون براءة ، كما كان أحب إليه مما يدعونه إليه . يطلب الانسراح عن السجن ممن أخذ يفتي برؤياه لصالح المملكة ،